الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
81
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة وَوُضِعَ الْكِتابُ معطوفة على جملة وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ [ الكهف : 48 ] ، فهي في موضع الحال ، أي وقد وضع الكتاب . والكتاب مراد به الجنس ، أي وضعت كتب أعمال البشر ، لأن لكل أحد كتابا ، كما دلت عليه آيات أخرى منها قوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتابَكَ [ الإسراء : 13 - 14 ] الآية . وإفراد الضمير في قوله : مِمَّا فِيهِ لمراعاة إفراد لفظ ( الكتاب ) . وعن الغزالي : أنه قال : يكون كتاب جامع لجميع ما هو متفرق في الكتب الخاصة بكل أحد . ولعله انتزعه من هذه الآية . وتفرع على وضع الكتاب بيان حال المجرمين عند وضعه . والخطاب بقوله : فَتَرَى لغير معين . وليس للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يومئذ في مقامات عالية عن ذلك الموضع . والإشفاق : الخوف من أمر يحصل في المستقبل . والتعبير بالمضارع في يَقُولُونَ لاستحضار الحالة الفظيعة ، أو لإفادة تكرر قولهم ذلك وإعادته شأن الفزعين الخائفين . ونداء الويل : ندبة للتوجع من الويل . وأصله نداء استعمل مجازا بتنزيل ما لا ينادى منزلة ما ينادى لقصد حضوره ، كأنه يقول : هذا وقتك فاحضري ، ثم شاع ذلك فصار لمجرد الغرض من النداء وهو التوجع ونحوه . والويلة : تأنيث الويل للمبالغة ، وهو سوء الحال والهلاك . كما أنثت الدار على دارة ، للدلالة على سعة المكان ، وقد تقدم عند قوله تعالى : قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ في سورة العقود المائدة [ 31 ] . والاستفهام في قولهم : ما لِهذَا الْكِتابِ مستعمل في التعجب . ( فما ) اسم استفهام ، ومعناها : أي شيء ، و لِهذَا الْكِتابِ صفة ل ( ما ) الاستفهامية لما فيها من التنكير ، أي ما ثبت لهذا الكتاب . واللام للاختصاص مثل قوله : ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 11 ] . وجملة لا يُغادِرُ في موضع الحال ، هي مثار التعجب ، وقد جرى الاستعمال بملازمة الحال لنحو ما لك فيقولون : ما لك لا تفعل وما لك فاعلا .